
احمد البوحساني
دقّ التأخير غير المسبوق في الإعلان عن طواقم تحكيم مباريات ربع نهائي كأس أمم إفريقيا المقامة بالمغرب ناقوس خطر حقيقي داخل الأوساط الكروية، وفتح باب التساؤلات الواسعة حول عودة لوبيات التحكم القديمة إلى واجهة المشهد القاري، في لحظة يفترض فيها أن تكون النزاهة والشفافية في أعلى مستوياتها، حمايةً لمصداقية المنافسة وصورة القارة.
فإسناد تعيين حكام هذا الدور الحاسم قبل أقل من 21 ساعة فقط من انطلاق أولى مباريات الربع، لا يمكن اعتباره مجرد خطأ تنظيمي عابر، بقدر ما يكشف، وفق متابعين ومصادر متطابقة، عن اختلالات عميقة داخل لجنة التحكيم التابعة للاتحاد الإفريقي لكرة القدم (الكاف)، اختلالات أعادت إلى الواجهة شبح “الكولسة” والتحكم غير المعلن في توجيه مسار المباريات.
وحسب مصادر وُصفت بالموثوقة، فإن الاحتجاج الرسمي الذي تقدّمت به الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم بشأن هذا التأخير غير المبرر، وضع الكاف في موقف حرج أمام الرأي العام الرياضي الإفريقي، خاصة أن الاعتراض المغربي لم يستهدف أسماء بعينها، بل مسطرة التعيين نفسها، التي شابها الغموض، وافتقدت لمبدأ الاستباق والوضوح المفترضين في الأدوار الإقصائية.
ويرى متتبعون أن ما صدر عن لجنة التحكيم يشكّل جرس إنذار حقيقياً بوجود “أيادٍ خفية” داخل المنظومة، تحاول إعادة إنتاج ممارسات قديمة، من خلال تعيين حكام ينتمون إلى نفس الهندسة الجغرافية للمنتخبات المتنافسة، أو إلى دول تُعد طرفاً مباشراً أو غير مباشر في صراع الأدوار المتقدمة، في تناقض صارخ مع روح الحياد وتكافؤ الفرص.
ويطرح هذا التوجّه أسئلة مشروعة:
ما الهدف من حصر التعيينات داخل منطقة جغرافية واحدة؟
وأين مبدأ درء الشبهة الذي يُعد قاعدة معترف بها في الفقه الرياضي الدولي؟
ولماذا الإصرار على إبقاء الغموض إلى آخر لحظة، بدل تبديد الشكوك مبكراً؟
في هذا السياق، فجّر احتجاج الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم أزمة ثقة غير مسبوقة في المنظومة التحكيمية القارية، وفتح نقاشاً قانونياً ورياضياً واسعاً حول احترام مبدأ “الأمن التنافسي”، الذي يفرض على الجهة المنظمة إزالة كل عناصر الشك قبل المباريات المصيرية، لا تعميقها.
وتجمع قراءات قانونية رياضية على أن اختيار حكام من “الدائرة التنافسية”، حتى وإن لم يكن خرقاً حرفياً للنصوص، يبقى مخالفاً لجوهر العدالة الرياضية، لأن التحكيم لا يُقاس فقط بسلامة القرار، بل أيضاً بثقة المتلقي في حياد صاحبه.
كما أن التذرّع بتقنية حكم الفيديو المساعد (VAR) لا يكفي لطمأنة الشارع الكروي، لأن هذه التقنية تظل أداة مساعدة لا تلغي السلطة التقديرية للحكم، ولا تمنع القرارات المؤثرة، خصوصاً حين تتراكم الضغوط السياسية والإعلامية في ذروة المنافسة.
وفي خضم هذا المشهد، يثير صمت رئيس لجنة التحكيم بالكاف، الكونغولي أوليفييه سفاري كابيني، ورفضه الإفصاح المبكر عن التعيينات، علامات استفهام إضافية، خاصة مع تسجيل حالات ارتباك أخرى، من قبيل تعيين مراقبة حكام سنغالية لمباراة تجمع منتخب بلادها بمالي، في مشهد يوحي بعشوائية تدبيرية مقلقة.
وتؤكد معطيات متقاطعة أن اجتماعاً مطولاً دام قرابة ساعتين جمع لجنة التحكيم بحكام البطولة، انتهى بفرض تعتيم إعلامي على أطقم تحكيم مباريات منتخبات المغرب ومصر والجزائر، مع قرار إبلاغ الحكام بتعييناتهم بشكل فردي عبر البريد الإلكتروني، في خطوة فُسّرت على أنها محاولة لاحتواء الغضب، لا معالجة أصل الإشكال.
ويرى متابعون أن النجاح التنظيمي الكبير الذي حققه المغرب في هذه النسخة لم يرق أطرافاً داخل المنظومة القارية، ما دفع “لجان الخبث”، كما يسميها البعض، إلى محاولة تعكير صفو المسابقة عبر معارك صامتة داخل غرف الفار ومنصات التحكيم، لتحويلها من أدوات إنصاف إلى وسائل ضغط وتوجيه.
وأمام هذا الواقع، لا يضع الاحتجاج المغربي الكاف أمام اختبار تحكيمي فحسب، بل أمام امتحان مؤسساتي شامل: إما القطع مع ممارسات الماضي وبناء منظومة تحكيم شفافة ومستقلة، وإما الاستمرار في إدارة أخطر ملفات الكرة الإفريقية بمنطق رمادي، يهدد مصداقية المنافسة ويعيد إنتاج أزمات فقدت القارة ثمنها مراراً.
في انتظار ما ستكشفه صافرة الحكم فوق المستطيل الأخضر، يبقى المؤكد أن المعركة لم تعد رياضية فقط، بل أصبحت معركة ثقة، عنوانها: هل تنتصر العدالة التحكيمية… أم تنتصر كواليس لا تُرى؟






