لوبوان الفرنسية: الجزائر تختبئ خلف “الحياد الدبلوماسي” في أزمة الشرق الأوسط… حسابات النظام تعلو على المواقف الواضحة

الدار/ غيثة حفياني
كشفت صحيفة Le Point الفرنسية أن الموقف الجزائري من التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، عقب الضربات التي استهدفت إيران، اتسم بقدر كبير من الحذر والغموض، حيث فضّل النظام الجزائري الاكتفاء بالدعوة إلى التهدئة وتجنب تسمية أي طرف مسؤول عن التصعيد. موقف يعكس، بحسب الصحيفة، توازناً دقيقاً يحاول النظام في الجزائر الحفاظ عليه بين شعارات التضامن الإقليمي ومصالحه السياسية والاستراتيجية.
وبحسب تقرير الصحيفة الفرنسية، فإن أول رد رسمي صدر عن وزارة الخارجية الجزائرية مساء 28 فبراير عقب الضربات الأمريكية-الإسرائيلية، جاء في شكل بيان مقتضب أعلن إنشاء خلية أزمة داخل الوزارة لمتابعة أوضاع المواطنين الجزائريين في المنطقة. البيان ركز أساساً على دعوة الجزائريين المقيمين في الشرق الأوسط إلى توخي الحذر والبقاء على اتصال مع البعثات الدبلوماسية والقنصلية الجزائرية.
غير أن اللافت، كما تشير الصحيفة، أن البيان تجنب تماماً ذكر الأطراف المتورطة في التصعيد أو تحديد المسؤوليات السياسية والعسكرية، مكتفياً بالحديث عن “تصعيد عسكري خطير” تشهده المنطقة. هذا الأسلوب، في نظر مراقبين، يعكس نهجاً دبلوماسياً يفضله النظام الجزائري يقوم على الغموض المتعمد لتفادي الإحراج السياسي.
وترى الصحيفة أن هذا الحذر لا يعكس فقط حسابات دبلوماسية تقليدية، بل يعبر أيضاً عن ارتباك سياسي داخل النظام الجزائري الذي يجد نفسه أمام معادلة صعبة. فمن جهة يحاول الحفاظ على خطابه التقليدي الداعم للقضايا العربية وانتقاد السياسات الغربية، ومن جهة أخرى لا يريد الدخول في مواجهة مباشرة مع القوى الدولية أو الانخراط في محور إقليمي قد يضعه في عزلة سياسية.
ويشير التقرير إلى أن الجزائر تحاول منذ سنوات تقديم نفسها كدولة تتبنى سياسة عدم الانحياز في الأزمات الدولية، غير أن هذا الموقف غالباً ما يتحول، في لحظات الأزمات الكبرى، إلى ما يشبه الحياد المريح الذي يسمح للنظام بتجنب اتخاذ مواقف حاسمة.
كما يلفت مراقبون إلى أن هذا التردد يعكس أيضاً طبيعة النظام السياسي في الجزائر، حيث تميل السلطة إلى تجنب الانخراط العلني في صراعات خارجية معقدة قد تكون لها انعكاسات داخلية أو دبلوماسية. لذلك يفضل صانع القرار في الجزائر استخدام لغة عامة تقوم على الدعوة إلى الحوار وضبط النفس واحترام القانون الدولي، من دون تحديد موقف واضح من الأطراف المتصارعة.
وفي نظر محللين، فإن هذا النهج يطرح تساؤلات حول قدرة الجزائر على لعب دور إقليمي مؤثر، خاصة وأن الدبلوماسية الفاعلة في الأزمات الكبرى تتطلب أحياناً مواقف واضحة وشجاعة سياسية، وليس الاكتفاء ببيانات متوازنة تخفي خلفها حسابات النظام ومخاوفه من الاصطفاف في معسكر معين.
وهكذا، يظهر أن الجزائر اختارت مرة أخرى سياسة السير بين الخطوط، في محاولة لتجنب أي صدام دبلوماسي محتمل. غير أن هذا الخيار، كما ترى الصحافة الفرنسية، قد يكشف في النهاية حدود النفوذ السياسي للنظام الجزائري في منطقة تشهد تحولات استراتيجية متسارعة.






